مجمع البحوث الاسلامية

609

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وهذا المعنى صحيح في نفسه ، ولكنّه بعيد عن مدلول اللّفظ ، فإنّ المتبادر إلى الأفهام من أَنْتَ حِلٌّ . . . هو أنت مقيم فيه ، لا أنت حلال فيه . ( 7 : 566 ) الطّباطبائيّ : والحلّ : مصدر كالحلول ، بمعنى الإقامة والاستقرار في مكان ، والمصدر بمعنى الفاعل ، والمعنى أقسم بهذا البلد والحال أنّك حالّ به مقيم فيه . وفي ذلك تنبيه على تشرّف مكّة بحلوله صلّى اللّه عليه وآله فيها ، وكونها مولده ومقامه . وقيل : الجملة معترضة بين القسم والمقسم به ، والمراد ب « الحلّ » : المستحلّ الّذي لا حرمة له . [ ثمّ ذكر كلام الكشّاف وقال : ] ومحصّله تفسير الحلّ بمعنى المحلّ ضدّ المحرم ، والمعنى : وسنحلّ لك يوم فتح مكّة حينا فتقاتل « 1 » وتقتل فيه من شئت . ( 20 : 289 ) بنت الشّاطئ : وآية لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ مرتبطة كما قلنا بالآية بعدها وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ من ناحيتين : واو الحال ، وهي قيد للجملة الأولى ، ثمّ تكرار هذَا الْبَلَدِ توكيدا للصّلة بين الآيتين . وفي معنى ( حلّ ) خلاف بين المفسّرين : 1 - قيل : هو من استحلال حرمة الرّسول في البلد الحرام الّذي يأمن فيه الطّير والوحش والجاني . وممّن قال بهذا ابن القيّم في « التّبيان » ، والشّيخ محمّد عبده في تفسير جزء « عمّ » ، كما أورده أبو حيّان في « البحر » ، والزّمخشريّ في « الكشّاف » ، مع أقوال أخرى في تفسير ( حلّ ) . وقد واجهتهم هنا مشكلة ؛ إذ كيف يستقيم القسم بمكّة ، حال استحلال أهلها لحرمة الرّسول في البلد الحرام ، والقسم هنا على وجهه للتّعظيم ؟ وخروجا من المأزق ، قال أبو حيّان في « البحر » : إنّ ( لا ) نافية للقسم الّذي هو تعظيم ، وقال ابن القيّم : المعنى متضمّن تعظيم بيت اللّه ورسوله ، وقال الشّيخ محمّد عبده : « ومعنى كونه حلّا ، أنّه استحلّ لأهل مكّة : استحلّوا إعناته ومطاردته ، واستباحوا حرمة الأمن في ذلك البلد الأمين حتّى اضطرّوه إلى الهجرة . . . ليفيد أنّ مكّة عظيم شأنها جليل قدرها في جميع الأحوال ، حتّى في هذه الحالة الّتي لم يرع أهلها تلك الحرمة الّتي خصّها اللّه بها » . 2 - وقيل : إنّ « الحلّ » هنا بمعنى إحلال اللّه لرسوله أن يفعل بمكّة وأهلها ما شاء « فأنت حلّ به في المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ، وذلك أنّ اللّه فتح عليه مكّة وأحلّها له ، وما فتحت على أحد قبله ، ولا أحلّت له ، فأحلّ ما شاء وحرّم ما شاء » قاله الزّمخشريّ ، وذكره أبو حيّان ثمّ رفضه . والآية مكّيّة باتّفاق وقد نزلت قبل فتح مكّة بسنين ، فاحتاجوا إلى تبرير هذا التّأويل ، فقال الزّمخشريّ يجيب عن سؤال طرحه في هذا الموقف : إنّ المستقبل هنا كالحاضر المشاهد ، ونظيره قوله عزّ وجلّ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ الزّمر : 30 .

--> ( 1 ) في الأصل : فنقاتل ، بالنّون ! !